انتقل إلى المحتوى
krd24.netkrd24.net

سلاح الفصائل العراقية ومناورة الإطار التنسيقي بين الضغوط الأميركية والنفوذ الإيراني

سلاح الفصائل العراقية ومناورة الإطار التنسيقي بين الضغوط الأميركية والنفوذ الإيراني

يشكل ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في العراق المعاصر، ليس لأنه يتعلق بالجانب الأمني وحده، وإنما لأنه يكشف طبيعة التوازنات السياسية التي تشكلت في العراق بعد عام 2003، والعلاقة المتشابكة بين الدولة والأحزاب والقوى المسلحة، فضلاً عن التأثيرين الأميركي والإيراني في القرار العراقي. وقد دخل هذا الملف خلال عام 2026 مرحلة أكثر حساسية، بعدما أصبح حصر السلاح بيد الدولة مرتبطاً بصورة مباشرة بمستقبل العلاقة بين بغداد وواشنطن، وبمستوى النفوذ الإيراني داخل المؤسسات السياسية والأمنية العراقية.

وتبدو الصورة أكثر تعقيداً مع اقتراب الموعد الذي حددته الحكومة العراقية في 30 أيلول 2026 لحصر السلاح بيد الدولة، بالتزامن مع انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. فقد أعلنت الحكومة العراقية أن هدفها هو إعادة تنظيم المنظومة الأمنية وإنهاء ظاهرة السلاح المنفلت، بينما رفضت فصائل مسلحة مرتبطة بإيران تسليم سلاحها بصورة كاملة، وربط بعضها أي خطوة بهذا الاتجاه بخروج القوات الأميركية والأجنبية من العراق وتوفير ضمانات تتعلق بالسيادة العراقية.

وهنا تظهر مفارقة سياسية لافتة: فالقوى السياسية التي تشكل العمود الفقري للحكومة العراقية، ولاسيما القوى المنضوية في الإطار التنسيقي، تعلن من جهة تمسكها بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة، لكنها من جهة أخرى تدخل في مفاوضات مع الفصائل المسلحة نفسها حول كيفية تنفيذ هذا المبدأ وتوقيته وشروطه. وقد أصبح السؤال المطروح ليس: هل هناك مبدأ لحصر السلاح؟ وإنما: هل توجد إرادة سياسية حقيقية لتنفيذه، أم أن المفاوضات تحولت إلى وسيلة لإدارة الأزمة وتأجيلها؟.

فمن الناحية الدستورية والسياسية، لا تكاد توجد مشكلة في إعلان مبدأ احتكار الدولة للسلاح. فقد أعلن رئيس الوزراء علي الزيدي منذ توليه منصبه أن إصلاح القطاع الأمني وحصر السلاح بيد مؤسسات الدولة يمثلان جزءاً أساسياً من برنامجه. كما شكل الإطار التنسيقي لجنة للتفاوض مع الفصائل المسلحة، ضمت شخصيات سياسية بارزة، بهدف التوصل إلى صيغة لإدخال السلاح ضمن المنظومة الرسمية.

وقد أظهر بعض الفصائل استعداداً للتعامل مع هذا المسار. فبعض الجماعات أعلنت انفصالها عن أجنحتها السياسية أو استعدادها لوضع أسلحتها تحت سلطة الدولة، في حين بقيت فصائل أخرى، وفي مقدمتها: كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، أكثر تشدداً في رفض التخلي عن سلاحها. وتشير التقارير إلى أن هذه الفصائل تنظر إلى سلاحها بوصفه جزءاً من مفهوم "المقاومة"، لا مجرد قوة عسكرية يمكن حلها بقرار حكومي.

وهذا التباين مهم للغاية؛ لأنه يعني أن المشكلة ليست في وجود سلاح لدى مجموعات مسلحة فحسب، وإنما في وجود تصورين متعارضين للدولة نفسها: تصور يرى أن الدولة هي صاحبة القرار الحصري في الحرب والسلم والسلاح، وتصور آخر يرى أن بعض القوى المسلحة تحتفظ بشرعية مستقلة عن القرار الحكومي، بحجة مواجهة التهديدات الخارجية.

ومن اللافت أن الموقف الأميركي أصبح أكثر وضوحاً خلال عام 2026. فقد ربطت واشنطن بصورة متزايدة بين مستقبل التعاون الأمني والاقتصادي مع العراق وبين قدرة بغداد على معالجة ملف الجماعات المسلحة التي تعمل خارج السيطرة الفعلية للدولة. كما أن الهجمات التي نفذتها فصائل عراقية مرتبطة بإيران ضد أهداف أميركية، ولاسيما خلال التصعيد الأميركي الإيراني في المنطقة، جعلت قضية الفصائل بالنسبة إلى واشنطن جزءاً من الأمن القومي الأميركي وليس مجرد قضية عراقية داخلية.

وفي المقابل، فإن الفصائل الموالية لايران لا تتعامل مع المسألة باعتبارها قضية إدارية عراقية بحتة. فشروطها المعلنة تتضمن خروج القوات الأجنبية، ولاسيما الأميركية، وإنهاء ما تعتبره تدخلاً خارجياً في القرار العراقي، فضلاً عن مطالب أخرى تتصل بالوضع الأمني الإقليمي. وقد نقلت تقارير حديثة عن مصادر سياسية أن بعض الفصائل أبدت مرونة في التفاوض، لكنها اشترطت أن تكون عملية اتخاذ القرار عراقية مستقلة وألا تكون نتيجة ضغط أميركي.

ومن هنا يصبح ملف السلاح ساحة للصراع غير المباشر بين واشنطن وطهران. فالولايات المتحدة تريد أن ترى دولة عراقية أكثر قدرة على السيطرة على المجال الأمني، في حين أن إيران تمتلك علاقات سياسية وأمنية عميقة مع عدد من القوى العراقية التي ترفض التخلي بسهولة عن مصادر قوتها العسكرية والسياسية.

وعليه فإن مواقف الإطار التنسيقي تبدو في هذا السياق مزدوجة المستويات. فهو لا يستطيع سياسياً أن يعلن رفض مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، لأن ذلك يتعارض مع الخطاب الرسمي للدولة العراقية ومع المصلحة المعلنة في بناء مؤسسة أمنية موحدة. وفي الوقت نفسه، فإن عدداً من القوى المنضوية في الإطار يمتلك علاقات سياسية وتاريخية وثيقة مع الفصائل المسلحة التي يفترض أن تسلم سلاحها.

وهذا الوضع يجعل الإطار التنسيقي أمام معادلة شديدة الصعوبة: الضغط على الفصائل قد يؤدي إلى انقسام داخل البيت السياسي الشيعي أو إلى مواجهة أمنية، بينما عدم الضغط عليها يضع الحكومة أمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي في موقف صعب، ويجعل مبدأ حصر السلاح مجرد إعلان سياسي.

وتشير تقارير عراقية ودولية إلى أن المفاوضات خلال الأشهر الأخيرة أخذت تتجه من مفهوم "نزع السلاح"إلى مفاهيم أكثر مرونة مثل "تنظيم السلاح"و"تجميده"أو "إعادة هيكلته"داخل مؤسسات الدولة. وهذا التحول في المصطلحات ليس تفصيلاً لغوياً؛ لأنه قد يعني انتقال الملف من عملية واضحة لها بداية ونهاية إلى عملية طويلة مفتوحة زمنياً.

وقد ظهر هذا الاتجاه بصورة أكثر وضوحاً في أيلول 2026، عندما طرحت الحكومة العراقية صيغة جديدة تقضي بتمديد المسار إلى منتصف عام 2027 بدلاً من التعامل مع 30 أيلول باعتباره موعداً نهائياً لتسليم السلاح. ونقلت عن مسؤول كبير داخل الإطار التنسيقي أن مقترحاً حكومياً من ست نقاط تضمن تمديد الموعد الأولي إلى منتصف 2027.

وهنا تكمن أهمية التطور: فبدلاً من أن يكون 30 أيلول نهاية لمسار محدد، أصبح من الممكن أن يتحول إلى بداية لمسار تفاوضي طويل.

وهنا يتبادر الى الذهن سؤال مشروع هل يحاول الإطار شراء الوقت؟ لكن الإجابة عليه تحتاج إلى التمييز بين الوقائع والتفسير السياسي.

فالوقائع تشير إلى وجود محاولات فعلية لتأجيل الموعد. فقد تحدثت مصادر سياسية عن مفاوضات غير معلنة بين لجنة شكلها الإطار التنسيقي وعدد من الفصائل المسلحة بهدف الوصول إلى صيغة تسمح بتجاوز موعد 30 أيلول من دون حصول مواجهة بين الدولة والفصائل. كما جرى الحديث عن تمديد العملية إلى عام 2027.

أما تفسير هذه السياسة على أنها محاولة "لشراء الوقت"فهو قراءة سياسية محتملة، ويمكن فهمها من خلال ثلاثة اعتبارات.

أولها: أن الانتخابات الأميركية النصفية المقررة في 3 تشرين الثاني 2026 تمثل محطة سياسية مهمة للإدارة الأميركية. وقد تحدث الرئيس دونالد ترمب نفسه في أيلول عن احتمال التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي.

وثانيها: أن مستقبل السياسة الأميركية تجاه إيران والعراق قد يتأثر بالتطورات الأميركية الداخلية وبنتائج الانتخابات، وبالتالي قد ترى بعض القوى العراقية أن الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الأميركية قد يغير طبيعة الضغوط التي تتعرض لها.

وثالثها: أن انتهاء ولاية ترمب الحالية سيكون، من الناحية النظرية، موعداً أبعد يمكن لبعض القوى السياسية أن تراهن على الوصول إليه، إذا كانت تعتقد أن الإدارات الأميركية اللاحقة قد تتعامل مع الملف بصورة مختلفة.

لكن من المهم هنا عدم تحويل هذه القراءة إلى حقيقة مثبتة. فلا توجد في المصادر المتاحة أدلة كافية تثبت أن الإطار التنسيقي اتخذ قراراً موحداً ومعلناً بتأجيل نزع السلاح تحديداً إلى ما بعد انتخابات الكونغرس النصفية أو إلى نهاية ولاية ترامب. الموجود بصورة أوضح هو وجود اتجاه نحو تمديد الجدول الزمني إلى 2027، ومحاولات ربط عملية نزع السلاح بظروف الانسحاب الأميركي وبضمانات سياسية وأمنية.

لذلك يمكن وصف سلوك بعض القوى السياسية العراقية الشيعية بأنه محاولة للموازنة بين واشنطن وطهران، لكن هذا الوصف يحتاج إلى قدر من الدقة. فالعراق منذ عام 2003 يعيش وضعاً استثنائياً تتقاطع فيه المصالح الأميركية والإيرانية، بينما تحاول النخب السياسية العراقية  الشيعية الاستفادة من الطرفين وتجنب الاصطدام الكامل بأي منهما.

وتبدو بعض القوى السياسية الشيعية أكثر قرباً من إيران بحكم التاريخ السياسي والعلاقات التنظيمية والأمنية التي نشأت خلال العقود السابقة. وفي الوقت نفسه، فإن هذه القوى لا تستطيع تجاهل الولايات المتحدة، نظراً إلى وزنها العسكري والاقتصادي والسياسي، وإلى حاجة العراق إلى العلاقات المالية والاستثمارية والتكنولوجية والأمنية مع الغرب.

وبالتالي، فإن السياسة القائمة على مخاطبة واشنطن بلغة الدولة والسيادة، ومخاطبة الفصائل بلغة المقاومة، والحفاظ في الوقت نفسه على قنوات مفتوحة مع طهران، يمكن أن تنتج نوعاً من "ازدواجية الخطاب".

ففي الخطاب الموجه إلى الولايات المتحدة، يجري التأكيد على أن الدولة العراقية وحدها صاحبة القرار الأمني والعسكري، وأن الفصائل ستخضع لإجراءات الدولة.

وفي الخطاب الموجه إلى الجمهور الشيعي المؤيد للفصائل، يجري التأكيد على أن السلاح جزء من "المقاومة"وأن إنهاء وجود القوات الأجنبية شرط أساسي لأي نقاش حول السلاح.

أما في العلاقة مع إيران، فتستمر شبكة واسعة من العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تجعل الفصل بين النفوذ الإيراني وبعض القوى العراقية أمراً بالغ التعقيد.

ومن هنا يمكن فهم العبارة المتداولة بأن بعض القيادات "تلعب على الحبال". غير أن الأدق أكاديمياً هو القول إن هذه القوى تمارس سياسة موازنة بين النفوذين الأميركي والإيراني، مع تفاوت واضح في درجة ارتباط كل قوة منهما بإيران.

يبقى هذا السؤال من أكثر الأسئلة حساسية في الجدل الدائر حول موقف الإطار التنسيقي من ملف السلاح والعلاقة مع إيران والولايات المتحدة. ولا يمكن، من الناحية العلمية، تعميم وصف واحد على جميع مكونات الإطار التنسيقي، لأنه ليس تنظيماً سياسياً واحداً متجانساً، وإنما تحالف يضم أحزاباً وقيادات وشخصيات تتباين في مواقفها وحساباتها ودرجة ارتباطها بالقوى الإقليمية. ولذلك فإن القول إن جميع قيادات الإطار تدين بالولاء المطلق لإيران يحتاج إلى أدلة خاصة بكل شخصية أو حزب، ولا يكفي لإثباته مجرد الانتماء إلى الإطار.

وفي المقابل، فإن تجاهل حجم العلاقة السياسية والأمنية والفكرية التي تربط عدداً من القوى والفصائل العراقية بإيران لا يقل ابتعاداً عن الواقع. فقد نشأت خلال العقود الماضية علاقات وثيقة بين بعض الفصائل المسلحة العراقية ومؤسسات إيرانية، ولاسيما الحرس الثوري، وتطورت هذه العلاقات لتشمل مجالات التدريب والتسليح والتنسيق السياسي والأمني. كما أن بعض هذه الفصائل لا يخفي ارتباطه بالمشروع الإقليمي الإيراني، وينظر إلى المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن إطار أوسع يتجاوز الحدود العراقية.

ومن هنا ينبغي التمييز بين الانتماء السياسي إلى العراق وبين الارتباط السياسي أو الأمني بقوة إقليمية. فوجود علاقة وثيقة مع إيران لا يعني بالضرورة، في كل حالة، انعدام الولاء للعراق، كما أن رفع شعار السيادة العراقية لا يكفي وحده لإثبات الاستقلال الكامل عن النفوذ الخارجي. والمقياس الأكثر دقة هو الموقف العملي عندما تتعارض المصالح أو التوجيهات الخارجية مع القرار العراقي الرسمي: هل تكون الكلمة النهائية للدولة ومؤسساتها الدستورية، أم للقوى السياسية والفصائل التي تمتلك علاقات وارتباطات خارجية؟.

وتزداد أهمية هذا السؤال في ملف السلاح تحديداً؛ لأن امتلاك الفصيل المسلح قدرة مستقلة على اتخاذ قرار الحرب والسلم يطرح مشكلة تتجاوز مسألة العلاقة مع إيران أو الولايات المتحدة. فإذا كان قرار استخدام القوة لا يخضع بصورة كاملة للحكومة والقائد العام للقوات المسلحة، فإن ذلك يعني عملياً وجود مركز قرار أمني موازٍ لمركز الدولة. وفي هذه الحالة يصبح الحديث عن السيادة ناقصاً، سواء كان مصدر التأثير إيرانياً أو أميركياً أو إقليمياً آخر.

وقد حاولت بعض قيادات الإطار التنسيقي التأكيد على أن القرار الأمني والعسكري يجب أن يبقى بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية، وأن مسألة حصر السلاح ينبغي أن تتم من خلال المؤسسات العراقية. ويعكس هذا الخطاب رغبة في التأكيد على استقلال القرار الوطني، إلا أن الاختبار الحقيقي لهذا الموقف لا يكمن في التصريحات السياسية، وإنما في الإجراءات العملية المتعلقة بإخضاع جميع الفصائل، من دون استثناء، لسلطة الدولة وسلسلة القيادة العسكرية الرسمية.

وفي المقابل، فإن استمرار العلاقات الوثيقة بين بعض القوى السياسية والفصائل المسلحة العراقية وبين إيران يجعل من الصعب فصل الملف العراقي عن التنافس الإقليمي بين طهران وواشنطن. ولذلك فإن المشكلة الأساسية ليست في وجود علاقات عراقية ـ إيرانية، فهذه العلاقات طبيعية بين دولتين جارتين، وإنما في احتمال تحول النفوذ الخارجي إلى عامل مؤثر في تحديد القرار الأمني والسياسي العراقي.

وعليه، فإن السؤال الأدق ليس: "هل الإطار التنسيقي موالٍ لإيران أم للعراق؟"، وإنما: "عندما تتعارض مصالح الدولة العراقية مع مصالح حلفائها الإقليميين، لمن تكون الأولوية في القرار السياسي والأمني؟". فهذا السؤال هو الذي يكشف عملياً مدى استقلال القرار العراقي، ويضع جميع القوى السياسية أمام معيار واحد لا يستثني حزباً أو فصيلاً أو جهة سياسية.

ومن هذه الزاوية، فإن قضية الولاء لا ينبغي أن تتحول إلى اتهام عام أو حكم مسبق على جميع قيادات الإطار التنسيقي، وإنما إلى قضية قابلة للفحص من خلال المواقف والقرارات والارتباطات المعلنة والممارسات الفعلية. فالعراق لا يحتاج إلى الاختيار بين الولاء لواشنطن والولاء لطهران، وإنما يحتاج إلى أن تكون الأولوية في القرارات السيادية للدولة العراقية ومؤسساتها الدستورية، وأن تكون علاقاته مع الولايات المتحدة وإيران وغيرهما قائمة على المصالح المتبادلة واحترام السيادة وعدم السماح لأي طرف خارجي أو داخلي بامتلاك قرار مستقل عن الدولة.

لذلك فإن المشكلة الحقيقية ليست في السؤال المبسط: "هل الإطار عراقي أم إيراني؟"، وإنما في سؤال أكثر دقة: إلى أي مدى تستطيع الدولة العراقية اتخاذ قرار مستقل عندما تكون بعض القوى التي تشارك في صناعة القرار السياسي مرتبطة في الوقت نفسه بقوى مسلحة تمتلك علاقات خارجية؟.

ومع اقتراب 30 أيلول 2026، أصبح واضحاً أن المسألة لا تتعلق بمجرد تسليم بنادق أو صواريخ إلى وزارة الدفاع أو هيئة الحشد الشعبي، وإنما بإعادة تعريف علاقة الدولة بالقوى المسلحة. فإذا بقيت الفصائل تحتفظ بأسلحتها الثقيلة وصواريخها وقدرتها المستقلة على اتخاذ قرار الحرب، فإن حصر السلاح بيد الدولة سيظل ناقصاً مهما تغيرت الصياغات القانونية.

وإذا جرى دمج أفراد الفصائل في مؤسسات الدولة، لكن بقيت البنية التنظيمية والولاءات الخارجية والقدرة على اتخاذ القرار العسكري خارج التسلسل الرسمي، فإن الدمج سيكون شكلياً أكثر منه تحولاً مؤسسياً.

أما إذا تمكنت الدولة من إخضاع جميع القوى المسلحة، من دون استثناء، لقيادة عسكرية واحدة وقرار سياسي واحد، مع ضمان حقوق الأفراد الذين ينضمون إلى المؤسسات الرسمية، فإن ذلك سيشكل تحولاً جوهرياً في بنية الدولة العراقية.

وهنا ينبغي الانتباه إلى أن المشكلة لا تقتصر على الفصائل الشيعية أو المرتبطة بإيران؛ فمبدأ احتكار الدولة للسلاح يجب أن يكون عاماً، وأن ينطبق على جميع القوى المسلحة أياً كانت هويتها السياسية أو القومية أو المذهبية. فالدولة التي تطبق القانون على فصيل وتستثني فصيلاً آخر لا تحقق احتكاراً حقيقياً للقوة، وإنما تعيد توزيعها.

أما واشنطن، فهي أمام معادلة أخرى. فانسحاب القوات الأميركية من العراق لا يعني بالضرورة انتهاء النفوذ الأميركي، كما أن بقاء العلاقات الأمنية والاقتصادية لا يعني بالضرورة قدرة واشنطن على فرض رؤيتها بالقوة.

وتشير التقارير إلى أن الانسحاب الأميركي من العراق يمضي نحو استكمال مرحلته الحالية في 30 أيلول، في الوقت الذي لا تزال فيه الفصائل الكبرى ترفض التخلي عن أسلحتها بالكامل. وهذا يضع الحكومة العراقية أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع فرض قراراتها بعد انخفاض الوجود العسكري الأميركي، أم أن الفصائل ستتمكن من تحويل الانسحاب الأميركي إلى وسيلة لتأجيل تسليم السلاح؟.

ومن هذه الزاوية، فإن ربط الفصائل بين الانسحاب الأميركي وتسليم السلاح يمثل معادلة سياسية واضحة: "لا سلاح من دون خروج الأجانب". لكن الحكومة العراقية تحاول تقديم معادلة مختلفة: "انتهاء الوجود العسكري الأجنبي يجب أن يفتح الطريق أمام إنهاء مبررات السلاح خارج الدولة". والفارق بين المعادلتين هو جوهر الأزمة.

وختاماً فإن أزمة السلاح في العراق ليست أزمة عسكرية بقدر ما هي أزمة في مفهوم الدولة وفي حدود الولاء السياسي ومصادر الشرعية الأمنية. فالعراق يستطيع أن يحتفظ بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة، كما يستطيع أن يقيم علاقات طبيعية مع إيران، لكن ذلك لا يمكن أن يكون على حساب استقلال القرار السيادي للدولة العراقية.

والمشكلة تظهر عندما تصبح بعض القوى السياسية شريكاً في الحكم، بينما ترتبط في الوقت نفسه بقوى مسلحة تمتلك قراراً مستقلاً أو علاقات خارجية مؤثرة. عندها تصبح الدولة أمام وضع مزدوج: حكومة تعلن احتكار السلاح، وقوى سياسية تفاوض الجماعات التي تمتلك السلاح حول كيفية احتكاره ومتى يتم ذلك.

أما الحديث عن "اللعب على الحبال"بين واشنطن وطهران، فيمكن فهمه باعتباره توصيفاً لسياسة الموازنة التي تنتهجها بعض القوى العراقية. لكن الأدق تاريخياً وسياسياً هو القول إن جزءاً من الطبقة السياسية العراقية يحاول المحافظة على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وإيران في آن واحد، مع وجود قوى داخل هذا المعسكر أكثر ارتباطاً بطهران من غيرها.

ويبقى الاختبار الحقيقي في نهاية المطاف عراقياً قبل أن يكون أميركياً أو إيرانياً: هل تستطيع الدولة أن تجعل قرار الحرب والسلم والسلاح قراراً مؤسسياً لا حزبياً، وأن تمنع تحويل التأجيل والتفاوض والاشتراطات إلى وسيلة دائمة لإبقاء السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة؟.

فإذا تحول موعد 30 أيلول 2026 إلى مجرد بداية جديدة لمفاوضات مفتوحة حتى منتصف 2027، فإن السؤال لن يكون عندئذ عن قدرة الحكومة على إعلان حصر السلاح، وإنما عن قدرتها على تنفيذ القرار. وبين الإعلان والتنفيذ تقع المسافة التي تحدد حقيقة الدولة العراقية وقدرتها على اتخاذ قرار مستقل عن واشنطن وطهران معاً.

المصدر: krd24.net — عبر: رووداو

أخبار ذات صلة