انتقل إلى المحتوى
krd24.netkrd24.net

إيران وأبواب الجيران المغلقة

إيران وأبواب الجيران المغلقة

يتحدث العالم اليوم عن الحوار والتهدئة والأمن الإقليمي وبناء الثقة، بينما تبدو طهران وكأنها تستمع إلى شيء آخر تماماً.

رؤساء ومسؤولون عرب وغربيون يوجهون الرسائل تلو الأخرى من على منبر الأمم المتحدة ويحذرون من مخاطر التصعيد، لكن الخطاب الإيراني يعود غالباً إلى اللغة نفسها: لن نتراجع، لن نخضع للضغوط، وسنواصل طريقنا.

وبزيشكيان، بوصفه رئيساً لإيران، يواصل الدفاع عن الموقف الإيراني في مواجهة الضغوط الخارجية، لكن المشكلة لا تكمن في قدرة أي سياسي على قول "لا"، بل في النتائج التي تأتي بعد ذلك.

ولعل قصة الطيران الإيراني تقدم صورة أكثر وضوحاً من أي خطاب سياسي. فالمسألة لم تعد مجرد بيانات وتصريحات بعيدة عن حياة الناس. لقد وصلت إلى المطارات نفسها.

في العراق، أحد أقرب جيران إيران وأكثر البلدان ارتباطاً بها في حركة السفر، توقفت الرحلات الإيرانية في عدد من المطارات، لتتراجع بذلك حركة الطيران بين البلدين بعد سنوات من التواصل الكثيف.

ولم يتوقف الأمر عند العراق، إذ امتدت القيود على حركة الطيران الإيراني إلى دول أخرى في المنطقة، فأصبحت الرحلات أكثر صعوبة، وتقلصت الخيارات أمام المسافرين الإيرانيين.،وهنا تظهر الكلفة الحقيقية للعزلة السياسية.

فالمطار الذي لا يستقبل طائرة إيرانية، والرحلة التي تُلغى، والمسافر الذي يضطر إلى البحث عن طريق آخر، كلها تفاصيل تبدو صغيرة، لكنها تكشف تحولاً أكبر. عندما تتراكم القيود السياسية، تتحول في النهاية إلى قيود على حركة الناس والاقتصاد والتجارة.

إيران تريد أن تكون قوة إقليمية مؤثرة، وهذا طموح سياسي واضح. لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى محيط مستقر وعلاقات طبيعية مع جيرانها، لأن القوة الإقليمية لا تعمل في فراغ.

العراق جار، وتركيا جار، ودول الخليج جيران، وعُمان بوابة مهمة إلى المنطقة. وأي توتر طويل مع هذه الدول لن يبقى محصوراً في البيانات السياسية، بل يمكن أن يظهر في الطيران والتجارة والسفر والاقتصاد وحركة الناس.

تجارة الأحلام السياسية ما زالت مزدهرة حيث تتكون من لن نتراجع ولن نرضخ، وسنفرض رؤيتنا على الجميع ومن يعترض علينا يخدم أعداءنا. لكن السياسة التي لا تحسب كلفة قراراتها تتحول في النهاية إلى فاتورة. ومن يدفع هذه الفاتورة ليس السياسي وحده.

يدفعها المسافر الذي تتعطل رحلته، والمريض الذي يحتاج إلى السفر، والطالب الذي يدرس في دولة مجاورة، والتاجر الذي يحتاج إلى حركة مستمرة، والعائلة التي اعتادت أن يكون الانتقال بين إيران وجيرانها أمراً طبيعياً.

المشكلة ليست في أن تكون لإيران مصالح أو طموحات أو مشروع إقليمي. كل دولة تبحث عن مصالحها وتدافع عنها. المشكلة تبدأ عندما تتحول الطموحات إلى أحلام مغلقة، وعندما يصبح كل نقد مؤامرة، وكل تراجع ضعفاً، وكل مراجعة للسياسة خيانة.

عندها لا يعود السياسي مضطراً إلى إقناع الناس بأن الطريق الذي يسلكه صحيح؛ يكفي أن يقنعهم بأن كل طريق آخر هو طريق الأعداء. وهكذا تبني الدول أحياناً قصوراً من الشعارات: جدرانها عالية، وواجهاتها لامعة، لكن أبوابها لا تفتح كثيراً على الواقع.

إيران دولة كبيرة، بتاريخ طويل وموقع استراتيجي وموارد وقدرات هائلة. لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني بالضرورة حسن استخدامها.

القوة الحقيقية لا تُقاس فقط بقدرة الدولة على قول "لا"، وإنما بقدرتها على معرفة متى تتفاوض، ومتى تراجع حساباتها، ومتى تحافظ على أبواب جيرانها مفتوحة. فحين تتحول الخلافات السياسية إلى قيود على الطيران وحركة الناس والتجارة، تصبح الشعارات أقل أهمية من النتائج.

وفي النهاية، قد يكون أخطر ما في قصر الأحلام ليس ارتفاع جدرانه، بل أن يعتاد أصحابه العيش داخله، بينما تُغلق الأبواب من الخارج واحداً تلو الآخر. قصر أحلام الإيرانيين ليس مأساة في الحلم، بل في اللحظة التي يتحول فيها الحلم إلى سياسة، والسياسة إلى فاتورة يدفع ثمنها الجميع.

المصدر: krd24.net — عبر: رووداو

أخبار ذات صلة