بازی بکە بۆ ناوەڕۆک
krd24.netkrd24.net

جبل الفأس.. قلعة الغرانيت التي تُثير قلق واشنطن والوكالة الذرية

جبل الفأس.. قلعة الغرانيت التي تُثير قلق واشنطن والوكالة الذرية
أمن
إيران حرب ايران البرنامج النووي جبل فأس

أربيل ()- تُشكل المنطقة الجبلية المحيطة بمحافظة أصفهان الإيرانية، ولا سيما الكتلة الصخرية المعروفة بـ"جبل الفأس - كولنك"ضمن سلسلة جبال زاغروس، نقطة الارتكاز الأحدث والأكثر حساسية في المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران حول الملف النووي. يقع هذا الموقع على بعد كيلومترين تقريباً جنوب منشأة "نطنز"الشهيرة، غير أنه لا يمثل مجرد توسعة جغرافية للمنشآت القائمة، بل يعكس تحولاً جذرياً في فلسفة التصميم الأمني والعسكري لبنية إيران النووية، حيث نقلت طهران عمليات البناء من السطح إلى عمق الطبقات الجيولوجية الصلبة.

وكان هذا التحول العملياتي وليد استجابة مباشرة للمخاطر الأمنية، إذ تعود جذور إنشاء مجمع الأنفاق في جبل الفأس إلى أواخر عام 2020 وتصاعدت وتيرة أعمال الحفر والخرسانة فيه بشكل مكثف عقب الهجمات والتفجيرات التخريبية التي طالت المنشآت الفوق-أرضية في نطنز.

وفي هذا السياق، أوضح رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية آنذاك، علي أكبر صالحي، في تصريحات صحفية لرويترز، أن إيران تبني منشأة جديدة لتجميع أجهزة الطرد المركزي داخل الجبل لتفادي الاستهداف المباشر. أدركت القيادة العسكرية والأمنية الإيرانية حينها أن المنشآت التقليدية باتت مكشوفة أمام العمليات الاستخباراتية والضربات الجوية الدقيقة، فكان الخيار الاستراتيجي هو التوجه نحو "الدفاع السلبي"عبر حفر قاعات ضخمة وشبكات أنفاق داخل كتلة الغرانيت الصلبة لجبال زاگروس. يمنح هذا التكوين الصخري المنشأة حماية طبيعية فائقة، إذ تقع القاعات الأساسية على عمق يُقدر بـ 100 إلى 140 متراً تحت الأرض، وهي طبيعة صخرية تتفوق في قدرتها على امتصاص الانفجارات وتشتيت الصدمات حتى مقارنة بموقع "فوردو"المقام تحت صخور كلسية أقل صلابة.

ومع اتساع نطاق هذه التحصينات الجيولوجية، تكمن الأهمية الاستراتيجية لجبل الفأس في كونه يُشكل ما يُمكن تسميته بـ"الحصن الأخير"للبرنامج النووي الإيراني. ويؤكد إريك بروير، نائب رئيس برنامج أمن المواد النووية في مبادرة التهديد النووي (NTI)، في تصريحات صحفية، أن أهمية الموقع تزايدت استراتيجياً بعد الأضرار التي لحقت بنطنز وفوردو خلال الضربات الأميركية والإسرائيلية، إذ بقي جبل الفأس بين عدد محدود جداً من المواقع الإيرانية التي يمكن نظرياً استخدامها في أنشطة تخصيب اليورانيوم المستقبلي.

وفي الإطار ذاته، يرى سبنسر فاراغاسو، الباحث الرئيسي في معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS)، في تصريحات صحفية، أن المنشأة تثير "قلقاً بالغاً"كونها توفر لإيران مساراً لإعادة بناء برنامجها النووي؛ إذ تشير تقييمات المعهد إلى أن الموقع قد يكون كبيراً بما يكفي لاحتضان منشأة تخصيب كاملة، وربما في مرحلة لاحقة منشآت مرتبطة بإنتاج مكونات نووية حساسة.

ورغم هذه المخاوف القائمة من التحصين العميق، يشدد إريك بروير، نائب رئيس برنامج أمن المواد النووية، على أن الغرض الدقيق للمنشأة لا يزال غير محدد بدقة حتى الآن، لأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تتمكن من دخولها معاينةً وتفتيشاً. كما يؤكد سبنسر فاراغاسو، الباحث الرئيسي في معهد العلوم والأمن الدولي، في الوقت نفسه أن المنشأة ليست فاعلة حالياً وفق تقييم المعهد، موضحاً أن احتمال نقل أجهزة طرد مركزي إليها لا يثبت بحد ذاته بدء عمليات التخصيب الفعلية داخل القاعات المعتمة. وبما أن الموقع يقع في عمق خرساني وجيولوجي عصي على وسائل الاستطلاع العادية، فقد تحوّل في النظرية الأمنية الغربية من مجرد موقع إنشائي إلى "صندوق أسود"يتيح لطهران الاحتفاظ بقدرات التخصيب بعيداً عن الرقابة والتتبع الداخلي أو الخارجي.

وأمام هذا الواقع الميداني المستجد ومخاوف أفول نجاعة الردع، يكتسب تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف هذا الموقع أبعاداً عسكرية وسياسية بالغة الخطورة. فالتقييم الاستراتيجي في واشنطن وتل أبيب يرى أن اكتمال تشغيل مجمع جبل الفأس ودخوله الخدمة الفعلية يمنح طهران مظلة حصانة هائلة، تُخرج عملياً خيار الضربات الجوية التقليدية من معادلة الردع. غير أن الطرح العسكري لمسألة ضرب الموقع يبدو أكثر تعقيداً؛ إذ يشير بروير (نائب رئيس برنامج أمن المواد النووية) إلى أن عمق الموقع يتجاوز عمق منشأة فوردو — التي كانت تمثل بالأساس تحدياً كبيراً للذخائر الأميركية — ولذا فإن الضربات الجوية قد تتمكن من إلحاق أضرار بالغة بالمجمع من دون تدميره بالكامل أو جعله غير قابل للاستخدام نهائياً، معتبراً أن استهداف مداخل الأنفاق قد يكون الوسيلة الأكثر فاعلية لحرمان إيران مؤقتاً من الوصول إلى المنشأة.

ونتيجة لهذه المعضلة العسكرية المتفاقمة، يرى فاراغاسو الباحث الرئيسي في معهد العلوم والأمن الدولي، أن جبل الفأس ليس محصناً تماماً ضد الهجوم العسكري، لكن استهدافه سيكون معقداً للغاية بسبب نقص المعلومات الكافية عن تصميمه الداخلي وتوزيع قاعاته الحصينة. وبناءً على ذلك، فإن تصعيد التهديدات الأمريكية باستهداف المكان يهدف بالأساس إلى منع إيران من الوصول إلى نقطة "اللاعودة"في التحصين، وحرمانها من امتلاك ملجأ نووي يضمن لها استمرارية عمليات التخصيب في حال اندلاع نزاع عسكري واسع. يُجسد جبل الفأس اليوم ذروة صراع الإرادات؛ فهو بالنسبة لطهران ورقة تفاوضية وسياج أمان استراتيجي يضمن حماية بنشاطاتها الحيوية، بينما تراه واشنطن تهديداً يستوجب الحياد أو التدمير قبل أن يصبح عصياً على المعالجة العسكرية.

 

خاتمة تحليلية

وتتويجاً لهذا المشهد المعقد، يتبين في المحصلة الاستراتيجية أن جبل الفأس ليس مجرد هيكل هندسي تحت الأرض، بل هو عيّنة دالة على تحول قواعد اللعبة في الصراع النووي بين واشنطن وطهران؛ إذ يُلغي المفهوم التقليدي للضربات الرادعة الخفيفة ويفرض على صُنّاع القرار في واشنطن وتل أبيب خيارات أحلاها مرّ.

وفي ضوء هذه المعطيات المركبة، تتجه القراءة المستقبلية لهذا الملف نحو مسارين أساسيين؛ الأول هو الشلل العسكري المتبادل، حيث تُدرك واشنطن أن كلفة الحسم العسكري لموقع بهذا التحصين والغموض الداخلي ستتطلب تكتيكات غير تقليدية تتجاوز حدود الضربات الجوية النمطية وتدفع نحو مواجهة شاملة في الشرق الأوسط، وهو ما يعزز موقع طهران في فرض سياسة الأمر الواقع. أما المسار الثاني، فيتمثل في استثمار هذا التحصين كأداة ضغط قصوى في أي مفاوضات سياسية مقبلة، حيث يسعى الجانب الأمريكي لاستغلال التهديد قبل اكتمال جاهزية الموقع لانتزاع تنازلات تتعلق بالشفافية والسموح للوكالة الدولية بالتفتيش، بينما تستخدمه إيران كدرع يمنع فرض الشروط الغربية القاسية.

وبناءً على هذه الموازنات الحادّة، وبينما يستمر سباق الزمن بين آليات الحفر الإيرانية وأدوات التخطيط العسكري الأمريكي، يظل جبل الفأس النقطة الحاكمة التي ستحدد ما إذا كان الملف النووي سيتجه نحو تسوية سياسية تعيد رسم أطر التفتيش الدولي، أو نحو انفجار عسكري يسعى لضرب البنية النووية قبل أن تستقر في أعماق الغرانيت العصية على الردع.

 
 
 
مظفر مزوري ,
سەرچاوە: krd24.netلە ڕێگەی: کوردستان 24

هەواڵە پەیوەندیدارەکان