ديجيتال
تواجه محافظة السويداء، ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا، تدهوراً متزايداً في الأوضاع المعيشية والخدمية، في ظل استمرار التوتر بين دمشق والقوى المحلية المسيطرة على أجزاء واسعة من المحافظة، وقيود متقطعة على حركة الأشخاص والبضائع عبر الطريق الذي يربط السويداء بالعاصمة.
وفي أحد مخابز المدينة، تنتظر هدى كيوان، البالغة من العمر 59 عاماً، وصول الطحين والوقود اللذين باتا من المواد التي يصعب تأمينها.
وتقول كيوان إن نقص الغاز والطحين ازداد، خصوصاً بعد إغلاق الطريق، مضيفة أن السكان لا يملكون الكثير لفعله في مواجهة الأزمة.
وتتحدث مصادر محلية ومنظمات رقابية عن قيود على حركة الشاحنات والبضائع عبر طريق دمشق – السويداء، في حين تنفي الحكومة السورية فرض حصار على المحافظة أو إغلاق الطريق.
وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، سُجلت خلال الفترة الأخيرة قيود على دخول مركبات وشاحنات محملة بالبضائع، بالتزامن مع نقص في المحروقات وانقطاعات في الكهرباء والمياه في مناطق من المحافظة.
السكان: "لا يُسمح بدخول شيء"
انعكست هذه القيود على الحياة اليومية للسكان، الذين يقولون إن صعوبة إدخال المواد الأساسية أدت إلى ارتفاع الضغوط المعيشية.
ويقول عامر رشيد، البالغ من العمر 30 عاماً، إن السكان يفتقرون إلى ما وصفه بـ"أبسط مقومات الحياة"، من الوقود والغذاء إلى بعض المستلزمات المنزلية.
ويتساءل رشيد عن جدوى تحميل سكان المحافظة بأكملها مسؤولية وجود فصائل مسلحة معارضة لدمشق، مشيراً إلى أن الأطفال والمرضى وذوي الإعاقة هم أيضاً من بين المتضررين من نقص المواد الأساسية والأدوية.
وتأتي هذه الشكاوى فيما تؤكد دمشق أنها لا تفرض حصاراً على السويداء، وتتهم في المقابل مجموعات مسلحة محلية بعرقلة حركة الطرق ورفض ترتيبات إعادة بسط سلطة الدولة.
الكهرباء.. أزمة إضافية
ولا تقتصر الأزمة على نقص المواد الغذائية والمحروقات، إذ يعاني سكان السويداء أيضاً من انقطاعات طويلة في التيار الكهربائي.
ويقول أدهم القطيني، البالغ من العمر 52 عاماً، إن انقطاع الكهرباء أدى إلى توقف العمل في ورشة النجارة التي يملكها، ما قطع مصدر رزقه وتركه أمام التزامات مالية تشمل الإيجار ومصاريف أطفاله ورسومهم المدرسية.
وشهدت المحافظة في الفترة الأخيرة انقطاعاً واسعاً للتيار الكهربائي، وسط تبادل الاتهامات بين الجهات الرسمية والأطراف المحلية بشأن أسباب الأعطال وصعوبة إصلاح شبكات الكهرباء. وأفادت تقارير في مطلع أيلول، بأن مناطق واسعة من السويداء واجهت أزمة كهرباء، فيما اتهمت الجهات الحكومية مجموعات محلية بعرقلة أعمال الصيانة، بينما حمّلت أطراف محلية السلطات مسؤولية تدهور الخدمات.
ارتفاع أسعار الوقود يزيد الضغوط
وزادت أزمة المحروقات تعقيداً بعد قرار الحكومة السورية رفع أسعار الوقود، في وقت كانت فيه السويداء تعاني أصلاً من صعوبات في تأمين المشتقات النفطية.
ويقول سائق سيارة الأجرة جمال ديب، البالغ من العمر 52 عاماً، إن ارتفاع أسعار الوقود انعكس مباشرة على عمله ودخله، في وقت يواجه فيه السكان ارتفاعاً متزامناً في تكاليف النقل والسلع والخدمات.
وجاء رفع أسعار المحروقات في إطار أزمة اقتصادية أوسع شهدت احتجاجات في عدة مناطق سورية خلال أيلول، بعدما رفعت الحكومة أسعار البنزين والمازوت والغاز، قبل أن تعلن لاحقاً عن أسعار أقل لبعض أنواع المازوت المخصص للتدفئة والزراعة والقطاعات الإنتاجية، في استجابة جزئية للاحتجاجات.
من اشتباكات تموز إلى أزمة مستمرة
وترتبط الأزمة الحالية في السويداء بسياق أمني وسياسي أكثر تعقيداً بدأ يتبلور بصورة حادة في تموز 2025، عندما اندلعت اشتباكات بين فصائل درزية ومقاتلين من البدو، قبل أن تتدخل قوات حكومية إلى جانب مجموعات عشائرية.
وتوسعت المواجهات سريعاً، وأدت إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى ونزوح واسع. ووفق تحقيق أممي نُشر في آذار/مارس 2026، قُتل أكثر من 1700 شخص ونزح نحو 200 ألف شخص خلال أسبوع من العنف، مع توثيق انتهاكات ارتكبتها أطراف رئيسية عدة في النزاع.
أما لجنة التحقيق الوطنية السورية فقالت إنها وثقت 1760 قتيلاً خلال الأحداث، وبدأت السلطات لاحقاً إجراءات قضائية بحق متهمين بارتكاب انتهاكات مرتبطة بالعنف.
وخلال المواجهات، تدخلت إسرائيل عسكرياً، وشنت ضربات على مواقع تابعة للقوات الحكومية في السويداء ومناطق أخرى، قبل أن تنسحب القوات الحكومية من أجزاء من المحافظة، وتدخل المنطقة في ترتيبات وقف إطلاق نار بقيت هشة.
ومنذ ذلك الحين، استمر التوتر بين دمشق والفصائل الدرزية، مع وقوع اشتباكات متفرقة واحتفاظ القوى المحلية بسيطرتها على معظم المحافظة. وتشير الوكالة الأوروبية للجوء إلى أن معظم السويداء ظل تحت سيطرة سلطات محلية درزية حتى منتصف 2026، بينما بقي تنفيذ الاتفاقات الرامية إلى إعادة دمج المحافظة في مؤسسات الدولة بطيئاً.
خلاف على مستقبل السويداء
لا يدور الخلاف بين دمشق والقوى الدرزية حول الترتيبات الأمنية وحدها، بل يتصل أيضاً بشكل العلاقة بين المحافظة والدولة السورية ومستقبلها السياسي.
وتطالب قوى محلية في السويداء بدرجات متفاوتة من الإدارة الذاتية وضمانات أمنية وسياسية، فيما تتمسك دمشق بوحدة الأراضي السورية وعودة مؤسسات الدولة إلى المحافظة.
ويُعد الشيخ حكمت الهجري، أحد أبرز الزعامات الدينية والسياسية الدرزية في السويداء، من أكثر الأصوات رفضاً لترتيبات دمشق. وقد دعا في تصريحات سابقة إلى استقلال السويداء أو إقامة ترتيبات حكم ذاتي، كما أدلى في آب 2026 بتصريحات قال فيها إن الدروز "جزء لا يتجزأ من إسرائيل"، وهي تصريحات أثارت ردود فعل واسعة، ولا تمثل بالضرورة جميع الزعامات أو أبناء الطائفة الدرزية في سوريا.
ويبرز هذا الموقف كأحد أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين السويداء ودمشق، خصوصاً في ظل الدور الإسرائيلي المتزايد في الجنوب السوري منذ أحداث تموز/يوليو 2025.
خارطة طريق لم تُنهِ الأزمة
في محاولة لإنهاء الأزمة، أعلنت سوريا والأردن والولايات المتحدة في أيلول 2025 خارطة طريق لمعالجة الوضع في السويداء وتحقيق الاستقرار في الجنوب السوري.
وتضمنت الخارطة التحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وضمان استمرار المساعدات الإنسانية والطبية، وإعادة الخدمات الأساسية، وتأمين طريق دمشق–السويداء، وتسهيل عودة النازحين، إضافة إلى ترتيبات أمنية تتعلق بانتشار قوات مدربة من وزارة الداخلية على الطرق والحدود الإدارية للمحافظة.
لكن تنفيذ الخارطة واجه عقبات كبيرة، فيما رفضت قوى محلية في السويداء الصيغة التي تقود إلى إعادة دمج المحافظة وفق ترتيبات تضعها دمشق، وطالبت بدلاً من ذلك بصيغ أوسع للحكم الذاتي وتقرير المصير. وتشير تقارير حديثة إلى أن الخلافات حول الأمن والسيطرة على السلاح والعلاقة مع دمشق ما زالت قائمة.
"قلق دائم"لدى السكان
وبينما يستمر الخلاف السياسي والأمني، يجد السكان أنفسهم في مواجهة أزمة معيشية متفاقمة.
ويقول منيف رشيد، البالغ من العمر 52 عاماً، إنه يعيش في "قلق دائم"، مضيفاً أن كل خرق لوقف إطلاق النار يجعله يخشى على أفراد أسرته المقيمين في أطراف المدينة.
ويقول إن ابنته تتصل به عند كل تصعيد، ويكون صوتها مرتجفاً خوفاً من عودة الهجمات.
وبذلك، تبدو السويداء أمام معادلة معقدة: أزمة خدمات وإمدادات، وقيود على حركة الطرق، وارتفاع في أسعار المحروقات، إلى جانب خلاف سياسي لم يُحسم بين دمشق والقوى المحلية حول مستقبل المحافظة وموقعها داخل الدولة السورية.
وفي ظل استمرار هذا الانسداد، يدفع السكان كلفة الصراع على شكل نقص في الغذاء والوقود، وانقطاع الكهرباء، وتراجع فرص العمل، ومخاوف أمنية متواصلة، فيما لا يزال الحل السياسي الذي يمكن أن ينهي حالة القطيعة بين السويداء ودمشق بعيداً عن التحقق.




