أربيل ()- كشفت تحليلات ودراسات فلكية معمقة، أن المذنب الزائر بين النجمي "3I/ATLAS"يحمل أدلة حاسمة تؤكد وفرة اللبنات الجزيئية الأساسية الممهدة لنشوء الحياة في أرجاء مجرة درب التبانة، مما يفتح آفاقاً جديدة لفهم كيفية توزع العناصر الحيوية عبر الأنظمة الكوكبية البعيدة، رغم عدم ثبوت أي صلة له بحضارات فضائية عاقلة.
ويعد هذا الجرم الكوني، الذي زار الجزء الداخلي من نظامنا الشمسي لأول مرة في تموز/يوليو 2025 وحلق فيه لنحو أربعة أشهر، ثالث جرم بين نجمي مؤكد يجري اكتشافه ورصده من خارج المجموعة الشمسية، بعد الجرمين السابقين "أومواموا"و"بوريسوف". وحظي المذنب بشهرة عالمية واسعة تخللتها تكهنات غير مؤكدة حول أصوله، غير أن الملاحظات العلمية أثبتت أنه يتصرف مثل مذنب طبيعي تماماً، ويمثل قطعة محفوظة من كويكب أولي أو لبنة بناء كوكبية نشأت في نظام نجمي بعيد، ما يجعله بمثابة كبسولة زمنية تنقل التركيب الكيميائي لمهد ولادة الكواكب في عوالم أخرى.
بذور الحياة عبر الصخور الفضائية
تنبع الأهمية العلمية الاستثنائية لدراسة المذنبات المشابهة لـ "3I/ATLAS"من فرضية راسخة في الأوساط الفلكية تشير إلى أن هذه الأجرام تضطلع بدور محوري في "بذر"الكواكب بالمركبات الكيميائية المحتوية على الكربون، والمعروفة بالمركبات العضوية. وتتدرج هذه المواد من جزيئات بسيطة مثل الميثانول إلى جزيئات أكثر تعقيداً كالأحماض الأمينية، والتي تشكل مجتمعة الأساس الحيوي للجزيئات البيولوجية الكبرى، مثل البروتينات والأحماض النووية، المسؤولة عن تشكيل مظاهر الحياة وتطورها.
وتستند هذه الرؤية العلمية إلى معطيات ملموسة وفرتها عينات سابقة جُلبت من داخل نظامنا الشمسي؛ إذ بينت نتائج فحص عينات الكويكب "بينو"، التي استعادتها مهمة "أوسيريس-ريكس"التابعة لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، احتواءها على القواعد النيتروجينية الخمس الأساسية التي تتألف منها الأحماض النووية، إلى جانب 14 حمضاً أمينياً من أصل 20 حمضاً تتشكل وتدخل طبيعياً في بناء الحياة على الأرض. وتكتسب الصخور الفضائية هذه الخصائص لكونها تتخلق من قرص الغاز والغبار الدوار ذاته الذي تولد منه الكواكب، وتظل تركيباتها الكيميائية شبه ثابتة دون تغيير يُذكر لمليارات السنين.
وبينما كانت المحاكاة الحاسوبية تفترض أن المذنبات التي تتنقل وتتحرك بين الكواكب قادرة بالمثل على نقل وتوصيل هذه الجزيئات الممهدة للحياة إلى الكواكب الوليدة في الأنظمة الشمسية الأخرى، وفرت البيانات المستخلصة من "3I/ATLAS"الدليل الرصدي الأول المباشر الذي يسند هذه النظريات خارج حدود نظامنا الشمسي.
مزيج كيميائي غني في الغلاف الغازي
تمكن علماء الفلك من تحديد البصمة الكيميائية للمذنب عبر تسجيل شدة الضوء الصادر عنه عبر ترددات وأطوال موجية متعددة، بالاعتماد على شبكة تزيد على اثني عشر مرصداً وتلسكوباً أرضياً وفضائياً. وساعد على ذلك انبعاث أطنان هائلة من الغاز والغبار من المذنب لتشكيل هالة مضيئة وممتدة حول نواته نتيجة اقترابه من الشمس وتعرضه لحرارتها، ما أتاح رصد باقة متنوعة من المركبات الكيميائية المهمة بيولوجياً.
وجاء في مقدمة هذه المواد سيانيد الهيدروجين، الذي رصده مرصد "أتاكاما المليمتري الكبير"(ألما) في تشيلي. ورغم تصنيف هذا الغاز مادةً شديدة السمية، فإنه يُعد عنصراً بالغ الأهمية في دراسات الكيمياء قبل الحيوية؛ حيث بينت التجارب المعملية التاريخية، بما فيها تجربة "ميلر-يوري"الشهيرة في خمسينيات القرن الماضي، دوره الأساسي في تخليق الجزيئات العضوية مثل الأحماض الأمينية.
كما أظهرت بيانات المرصد انبعاث كميات هائلة من مادتي الفورمالديهايد والكحول الميثيلي (الميثانول). وبالتوازي مع ذلك، كشفت عمليات الرصد المنفذة عبر تلسكوب "جيمس ويب"الفضائي عن انبعاث كميات بارزة من غاز الميثان، وهو من الغازات الدفيئة التي يلفت العلماء إلى أنها – في حال توفرها في كواكب النظام الأصلي الذي جاء منه المذنب – قد تسهم في حبس الحرارة وتهيئة بيئة دافئة ومواتية لوجود المياه السائلة وفرص نشوء الحياة. وأكدت مسوح أجراها تلسكوب "سبيريكس"التابع لناسا في مطلع عام 2026 هذا الغنى الكثيف للمركبات العضوية في المذنب، مشيرة إلى أن المواد الخام للكربون والنيتروجين منتشرة على نطاق أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً في الفضاء بين النجمي.
نافذة زمنية غير مسبوقة للرصد
اكتسبت النتائج المرتبطة بـ "3I/ATLAS"أهمية مضاعفة مقارنة بالأجرام المماثلة المكتشفة في أوقات سابقة. فالجرم الأول "أومواموا"لم يخضع للمراقبة إلا لأسابيع قليلة ومحدودة قبل أن يبتعد عن مدى الرؤية، في حين تزامنت فترة اكتشاف الجرم الثاني "بوريسوف"مع بدايات تفشي جائحة كورونا وما تلاها من تعليق وإلغاء لخطط رصد واسعة في المراصد الفلكية حول العالم، على الرغم من أن بعض الملاحظات المقتضبة سجلت وجود سيانيد الهيدروجين في تركيبه أيضاً.
وفي المقابل، أتاح المسار والظروف الفلكية للمذنب "3I/ATLAS"فسحة زمنية ناهزت عاماً كاملاً من التتبع والمراقبة المتواصلة بأحدث التقنيات البصرية والراديوية، الأمر الذي جعله متفرداً واستثنائياً من حيث وفرة وجرد القياسات الكيميائية الدقيقة لتركيبه الداخلي وغلافه الجوي.

حدود الاكتشاف واستشراف المستقبل
ورغم هذه المؤشرات الكيميائية الواعدة، يجمع العلماء والباحثون على أن هذه البيانات لا تعد دليلاً قاطعاً على وجود حياة فعلية أو كائنات حية في النظام النجمي الأصلي الذي انحدر منه المذنب، كما أنها لا تثبت نشوء الحياة في أي مكان خارج الأرض بصورة قطعية. ويوضح الباحثون أن الجزيئات العضوية المكتشفة تظل ذات بنية كيميائية بسيطة، ولم يُعثر حتى الآن على مركبات جزيئية حيوية معقدة ومتقدمة داخل المذنب، رغم مليارات السنين التي قضاها معرضاً للإشعاعات الكونية في الفضاء العميق.
علاوة على ذلك، خلصت دراسة علمية أُجريت في كانون الثاني/يناير الماضي إلى أن معظم المواد والغازات المنبعثة أثناء مرور المذنب قرب الشمس إنما صدرت عن الطبقات السطحية الخارجية المعرضة للاشتباك والتأثر الإشعاعي المباشر، وليس بالضرورة من نواته الجوفية النقية، ما يستوجب الحذر في تعميم هذه المعطيات حول التركيب الكيميائي الأساسي لنظامه الأم.
وتتجه أنظار المجتمع العلمي الدولي حالياً لمواصلة تدقيق بيانات "3I/ATLAS"، مع ترقب إطلاق مرحلة جديدة من الرصد الفلكي المتقدم بواسطة مرصد "فيرا روبين"في تشيلي، والمتوقع أن يسهم في رصد واكتشاف عشرات الأجرام والمذنبات الزائرة بين النجمية مستقبلاً، بما يسهم في رسم خريطة شاملة لتاريخ وتوزع المكونات التمهيدية للحياة عبر امتداد مجرة درب التبانة.
المصدر: موقع مجلة Live science




