أربيل ()- بأثوابهما التقليدية الأصيلة التي تعبق برائحة تراب الوطن، تمضي السيدتان الإيزيديتان "سميرة إلياس"و"بسێ قاسم"يومياً إلى مشغلهما الخاص في ألمانيا؛ حيث نجحتا عبر مشروع مبتكر لخياطة وتصميم الأزياء الفلكلورية في تحويل مرارة اللجوء وقسوة الغربة إلى قصة كفاح ملهمة، تحرس الهوية الإيزيدية الكوردية وتحييها في قلب القارة الأوروبية.
من ويلات الإبادة إلى تحدي الغربة
تعود بداية الحكاية إلى عام 2014، حين اجتاح تنظيم داعش الإرهابي مناطق الإيزيديين في شنكال ومحيطها؛ إذ نزحت سميرة وأسرتها نحو إقليم كوردستان، قبل أن تجبرهم ظروف ما بعد الإبادة على الهجرة مجدداً عام 2015 نحو ألمانيا طلباً للأمان، لكنهما رفضتا الاستسلام لحياة العزلة والانتظار.
وعن تلك اللحظات، تقول سميرة إلياس لـ: "عندما وقعت الإبادة عام 2014 لجأنا إلى كوردستان لثلاثة أشهر، ثم اضطررنا للنزوح مجدداً حتى بلغنا ألمانيا. في بلاد الغربة، أدركتُ سريعاً أن البقاء دون عمل مستحيل؛ فالجلوس في المنازل بين أربعة جدران أمر خانق ومُضنٍ للغاية. حينها عرضتُ على زوجة أخي زوجي (بسێ) تأسيس ورشة خاصة بنا تُغنينا عن الحاجة للغير، فرحبت بالفكرة فوراً وانطلقنا معاً".
وتؤكد سميرة أن المشروع بات يوفر لهما ولعائلتيهما دخلاً كريماً، موجهةً رسالة ملهمة: "كل أملي أن تسعى كل الفتيات والنساء الإيزيديات لتأسيس أعمالهن الخاصة والاعتماد على الذات؛ فالعمل شرف وقوة وليس عيباً على الإطلاق".
خياطة أصيلة وإحياء لتراث شنكال وبعشيقة
على مدار أربع سنوات، تواصل السيدتان العمل بمعدل 8 ساعات يومياً بإتقان وحرفية عالية، حيث لا تقتصر مهامهما على خياطة الأثواب فحسب، بل يبعثان الروح في تفاصيل تراثية كادت تندثر في المهجر.
وتوضح بسێ قاسم تفاصيل ما تنتجه الورشة قائلة: "نوفر الزي الإيزيدي بكامل تفاصيله ونستورد الأقمشة التقليدية المذهبة والحريرية المكملة له؛ كالسراويل والسترات الخاصة بمنطقتي (بعشيقة وبحزاني)، والملابس الرجالية كـ (الدشداشة البيضاء)، إلى جانب الأزياء النسائية الشهيرة في منطقة (شنكال). كما نصنع بأيدينا الأوشحة والشالات المطرزة وأغطية الرأس، إضافة إلى الزي الكوردي التقليدي المعروف بـ (شال وشپك)".
وتضيف بسێ: "نحرص على تلبية كافة الأذواق من خلال توفير التصاميم القديمة التراثية وكذلك القصات الحديثة المعاصرة التي تجذب الجيل الجديد من بنات وأبناء الجالية".
جسرٌ بين الأجيال في بلاد المهجر
ولم يقتصر مشروعهما على الزبائن المحليين في محيطهما، بل واكبتا التطور الرقمي عبر تسويق أزيائهما التراثية وشحنها إلكترونياً إلى مختلف المدن الأوروبية لتلبية طلبات المغتربين في المناسبات والأعياد القومية والدينية كـ "الأربعينية"و"سري صالي"وغيرها.
وفي زمنٍ تتسارع فيه وتيرة الاندماج بالغرب، تقف سميرة وبسێ كنموذج للمرأة الكوردستانية الأصيلة؛ التي استطاعت بجهدها الخاص تأمين قوت عائلتها بعزة، وجعلت من "الإبرة والخيط"جسراً حياً يربط أبناء الشتات بجذورهم وتاريخ أجدادهم الممتد لآلاف السنين.
تقرير: درمان باعدري – – ألمانيا




