انتقل إلى المحتوى
krd24.netkrd24.net

ذلك اليوم الذي امتزج فيه الدم الكوردي والكلداني.. "في ذكرى يوم الشهيد الكلداني ومذبحة صوريا"

ذلك اليوم الذي امتزج فيه الدم الكوردي والكلداني.. "في ذكرى يوم الشهيد الكلداني ومذبحة صوريا"

ثمة أيام في التاريخ لا تُقاس بما مضى عليها من أعوام، ولا تُحفظ في الذاكرة بأرقام التقويم، بل بما سال فيها من دم، وما خلّفته من وجع، وما حملته من معانٍ تتجاوز حدود الزمان والمكان.

كان السادس عشر من أيلول عام 1969 واحداً من تلك الأيام.

في ذلك اليوم، تحولت قرية صوريا الكلدانية الوادعة، في منطقة سليفاني قرب زاخو، من قرية تنبض بالحياة إلى شاهدٍ على واحدة من الصفحات المؤلمة في تاريخ شعبنا ووطننا؛ يومٌ سالت فيه دماء الأبرياء، وامتزج فيه الدم الكلداني والكوردي على أرض كوردستان.

كانت صوريا صورة مصغرة عن كوردستان التي نعرفها ونؤمن بها؛ قرية كلدانية عريقة، يعيش أهلها من خيرات أرضهم، ويتقاسمون الحياة والجيرة والمصير مع إخوتهم الكورد في القرى والمناطق المحيطة بهم. لم تكن الاختلافات القومية أو الدينية جدراناً تفصل بينهم، بل كانت الأرض والجيرة والخبز والعمل والأفراح والأحزان تجمعهم في حياة واحدة.

لكن صباح السادس عشر من أيلول 1969 حمل معه وجهاً آخر

فعقب انفجار لغم بسیارات قوة من الجيش العراقي قرب القرية، وغالباً هو لغم زرعوه سابقا بأنفسهم، وبدلاً من التحقيق وملاحقة المسؤولين الفعليين، تحولت صوريا وأهلها المدنيون إلى هدف لانتقام جماعي.

جُمِع أهالي القرية، رجالاً ونساءً وشيوخاً وأطفالاً، وكان بينهم الأب حنا قاشا، راعي كنيسة القرية الكلدانية الذي بقي مع أبناء رعيته حتى اللحظات الأخيرة وارتقى شهيداً.

وفي ذلك اليوم، أُطلقت النار على الأبرياء، وسقط ضحايا لا ذنب لهم سوى أنهم وجدوا في المكان والزمان اللذين قررت فيهما آلة القمع أن تجعل من المدنيين ثمنًا لصراع لم يكونوا طرفاً فيه.

لكن ما يجعل صوريا تحمل معنى يتجاوز حدود القرية والمجزرة، هو أن الدم الذي سال هناك لم يكن كلدانياً وحده.

في صوريا امتزج الدم الكلـداني بالدم الكوردي

ومن هنا، فإن صوريا ليست مجرد فصل من تاريخ آلام الكلدان، بل هي أيضاً صفحة من الذاكرة المشتركة لشعوب كوردستان.

هناك عاش الكلدان والكورد جنباً إلى جنب، وتقاسموا الأرض والجيرة والخبز، وحين جاءت المأساة، امتزجت دماؤهم على الأرض ذاتها. وهنا تكمن الرسالة الأعمق لصوريا

حاولت أنظمة الاستبداد مراراً أن تقسّم أبناء هذا الوطن على أساس القومية والدين والانتماء، لكن تاريخ الألم نفسه أثبت أن مصائرنا كانت في كثير من الأحيان واحدة. فعندما جاء الظلم لم يسأل ضحاياه عن قومياتهم، وعندما حلت المأساة لم تميز الرصاصة بين كلداني وكوردي.

لذلك، فإن استذكار شهداء صوريا بالنسبة إليّ ليس مجرد وفاء لشهداء شعبي الكلداني، بل هو وفاء لعهد تاريخي كتبته دماء أبناء كوردستان معاً.

إن شهداء صوريا يذكروننا أيضاً بحقيقة لا يمكن محوها أو تجاوزها: أن الكلدان نزفوا من أجل كوردستان وثورتها.

نحن أبناء هذه الأرض وجزء أصيل من تاريخها وهويتها. هنا قرانا وكنائسنا، هنا مقابر آبائنا وأجدادنا، وهنا ذكرياتنا، وهنا أيضاً دماء شهدائنا.

لقد كنا، وسنبقى، جزءاً أصيلاً من النسيج التاريخي والإنساني والحضاري لكوردستان والعراق. وتاريخنا هنا ليس تاريخ اضطهاد ومآسٍ فحسب، بل هو أيضاً تاريخ شراكة وصمود وبناء وتعايش.

ولهذا، ينبغي ألّا يكون السادس عشر من أيلول يوماً للبكاء على الماضي وحده، بل يوماً لتجديد العهد تجاه المستقبل.

عهدٌ بأن الإنسان يجب ألا يُقتل بسبب قوميته أو دينه أو هويته.

وعهدٌ بأن التنوع الذي ميّز كوردستان عبر تاريخها ينبغي أن يُصان باعتباره مصدر قوة وغنى، لا سبباً للصراع والانقسام.

وعهدٌ بأن حقوق المكونات الأصيلة وهوياتها ووجودها وتمثيلها وكرامتها ليست مِنّة من أحد، بل حقوق راسخة ينبغي احترامها وحمايتها.

إن استذكار صوريا هو أيضاً دعوة إلى العدالة التاريخية. فالجرائم لا تموت بمجرد مرور العقود، ما دامت ذاكرة الضحايا حية. والشعوب التي تنسى شهداءها تفقد جزءاً من ذاكرتها وهويتها، أما الشعوب التي تحفظ أسماءهم وقصصهم فإنها تحوّل الألم إلى وعي، والذاكرة إلى قوة، والمأساة إلى درس يحمي الأجيال القادمة.

وفي يوم الشهيد الكلداني، نقف بإجلال أمام أرواح شهداء صوريا، وأمام ذكرى الأب حنا قاشا وكل الأبرياء الذين ارتقوا معه.

نستذكرهم لا لكي نزرع الكراهية، بل لكي لا نسمح للنسيان أن ينتصر.

نستذكرهم لأن المصالحة الحقيقية لا تعني محو الذاكرة، بل الاعتراف بها، وإنصاف الضحايا، وتعلّم دروس التاريخ، والعمل كي لا تتكرر المأساة تحت أي اسم أو ذريعة.

صوريا تعلمنا أن الألم يمكن أن يصبح ذاكرة، وأن الذاكرة يمكن أن تصبح قوة، وأن الدم المشترك يمكن أن يتحول إلى عهد أخوة ومصير.

في صوريا امتزج الدم الكلداني والكوردي؛

   لكي يكتب في صفحات التاريخ حقيقة لا تمحى: أننا على هذه الأرض عشنا معاً، وتألمنا معاً، وضحينا معاً، وعلينا أن نبني مستقبلنا معاً.

الخلود لشهداء صوريا. الخلود لشهداء الشعب الكلداني. الخلود لشهداء كوردستان والعراق  والمجد لكل من قدّم دمه دفاعاً عن الحرية والكرامة والعيش المشترك.  * جنان جبار حسيني  - رئيس حزب المجلس القومي الكلداني

المصدر: krd24.netعبر: رووداو

أخبار ذات صلة