مقدمة من المقرر أن ترسل وزارة المالية العراقية في الأيام المقبلة إلى مجلس الوزراء موازنة مختلفة عن العقدين الماضيين، وبقدر اختلاف الموازنة الجديدة عن سابقاتها، شهدت علاقات أربيل وبغداد تغييرات، خاصة على الصعيدين النفطي والمالي. ولهذا السبب، فإن موازنة 2027 أو موازنة البرامج تحمل في طياتها فرصاً ومخاطر كبيرة في ما يتعلق بحصة إقليم كوردستان. إذا كانت المباحثات السابقة التي سبقت وتلت إعداد الموازنة السنوية في وزارة المالية ومجلس الوزراء والبرلمان العراقي تهدف إلى التوصل لاتفاق حول حصة إقليم كوردستان وتثبيتها في قانون الموازنة، فيمكننا القول الآن إن جميع الاتفاقات قد تمت والمعلومات المتعلقة بالوضع المالي لإقليم كوردستان متاحة بوفرة لدى المؤسسات الاتحادية.
كانت حصة إقليم كوردستان السنوية في الموازنة العراقية تُعرَّف بموجب مادة إلى ثلاث مواد، حيث خُصصت له في البداية نسبة 17%، ثم استناداً إلى عدد السكان نسبة 12.67%. ولكن بمراجعة تاريخ العقد الماضي، لم تُصرَف هذه النسبة له قط، وعزي ذلك إلى أسباب مختلفة مثل عدم تسليم النفط إلى شركة "سومو"، وعدم إعادة الإيرادات غير النفطية، وغياب قوائم رواتب الموظفين، وغيرها. أما الآن، فإن البيانات المالية لإقليم كوردستان مع أرقام التعريف الشخصي (PIN) للموظفين أصبحت لدى بغداد، وكامل النفط المنتج والمصدر قد جرى تسليمه إلى "سومو"، ويتم شهرياً إرسال ميزان المراجعة للنفقات والإيرادات إلى بغداد، كما يتم إعداد قوائم الرواتب، وجرى التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن توزيع إيرادات المنافذ الحدودية.
الآن، السؤال الرئيس هو: في الوقت الذي يعد فيه العراق موازنة مختلفة لعام 2027، ما هو الاختلاف الذي ستحمله لإقليم كوردستان، وهل ستصل موازنة الإقليم في العام المقبل أم ستُدفَع رواتبه بعد أسبوعين من العراق؟
أربع مراحل مختلفة لمواد حصة إقليم كوردستان في الموازنة السنوية للعراق
وفقاً للمواد والفقرات الخاصة بإقليم كوردستان في قوانين الموازنة السنوية للعراق (2015-2023)، مرت الحصة بأربع مراحل مختلفة: المرحلة الأولى (2015): نظام نسبة 17% وتغييرات المواد 10، 11 و12.
المرحلة الثانية (2016-2017): توسع النفقات السيادية وبقاء نفس نسبة إقليم كوردستان بعد استقطاع هذه النفقات. المرحلة الثالثة (2018-2021): تغيير جوهري في آلية تحديد الحصة، من نسبة ثابتة إلى نسبة تعتمد على عدد السكان. المرحلة الرابعة (2023): قانون الموازنة لثلاث سنوات، إقرار نسبة 12.67%، وتثبيت الحصة المالية للبيشمركة. إذا دققنا أكثر استناداً إلى نصوص القوانين:
أولاً: في موازنة عام 2015، حُددت حصة إقليم كوردستان بنسبة ثابتة تبلغ 17% من إجمالي النفقات الفعلية للموازنة الاتحادية (بعد استقطاع النفقات السيادية). وتكمن أهمية المادة 11 في ذلك العام في أنها أصبحت أساساً للاتفاق النفطي والمالي بين الحكومتين الاتحادية وإقليم كوردستان، حيث ثُبِّتَ بند خاص بالالتزام أو التراجع المشروط (في حال عدم التزام أي طرف). في الوقت نفسه، فتحت المادة 12 الباب لمراجعة هذه النسبة بناءً على نتائج التعداد العام للسكان، الذي كان من المقرر إجراؤه في عام 2015 آنذاك.
ثانياً: في عامي 2016 و2017، وعلى الرغم من أن نظام الـ17% ظل قائماً رسمياً، فقد تم توسيع جدول النفقات السيادية (الجدول "د"في قانون الموازنة) بشكل ملحوظ. أُضيفت إليه مجالات جديدة ومتعددة كنفقات جهاز المخابرات والسيطرة على المصادر المشعة. هذا التوسع في النفقات السيادية كان له تأثير مباشر في تقليص الحصة النهائية، حيث كانت هذه النفقات تُستقطع قبل تحديد حصة الإقليم. وقد كان ذلك بداية لنشوء الخلافات المالية والتدقيقات المحاسبية بين بغداد وأربيل حول الحجم الحقيقي لحصة إقليم كوردستان في الموازنة العامة العراقية، والتي لا تزال بعض تداعياتها مستمرة حتى الآن.
ثالثاً: في عام 2018، وبعد التغيرات السياسية التي طرأت في أواخر عام 2017، حدث تغيير جذري في قانون الموازنة؛ حيث أُلغيت معادلة الـ17% الثابتة بالكامل واستُبدلت بها حصة تُحدد وفقاً لنسبة سكان كل محافظة (حيث تم التعامل مع إقليم كوردستان لفترة من الزمن بوصفه ثلاث محافظات منفصلة). في هذه المرحلة، وإلى جانب تثبيت معيار السكان في المادة 9 (ولاحقاً في المادة 10 من قانون موازنة 2021)، وُسِّعت قائمة النفقات السيادية أيضاً وجرى تضمين فقرات أخرى مثل نفقات جهاز مكافحة الإرهاب، والحشد الشعبي، والشرطة الاتحادية، وقوات حرس الحدود؛ وبذلك، تم ربط الواجبات والحقوق المالية لإقليم كوردستان بشكل أوضح بالبيانات الرسمية لوزارة التخطيط العراقية.
رابعاً: في قانون الموازنة الثلاثي (2023-2025)، وتحديداً في المادة 11 (والمادتين 12 و13)، وصل الحجم الإجمالي للنفقات الحاكمة إلى مستوى جديد. كان أحد التغييرات المهمة في هذه المرحلة هو فصل وتخصيص موازنة خاصة لقوات البيشمركة ضمن جدول موازنة القوات البرية للجيش العراقي وفقاً لنسبة السكان؛ وقد كانت هذه خطوة جديدة لخلق توازن أمني وعسكري في إطار الموازنة الاتحادية، لكن هذا الجزء لم يُنفذ كما يجب، وظهرت في عام 2023 مشكلات جدية في طريقة صرف المستحقات المالية لإقليم كوردستان.
نحن الآن في مرحلة جديدة يمكن أن نطلق عليها "مرحلة الاتفاق والتطبيع"، حيث إن جزءاً كبيراً من القضايا التي كانت في الماضي محط خلاف ونزاع مستمرَّينِ بين أربيل وبغداد، قد دخلت في إطار تفاهمات واتفاقات جديدة؛ ويمكن لهذه المرحلة في الوقت ذاته أن تكون فرصة وتهديداً لإقليم كوردستان من جوانب مختلفة.
الفرص المتاحة أمام حصة إقليم كوردستان في الموازنة الاتحادية لعام 2027
أولاً: صياغة جديدة ومختلفة تماماً، بعيدة عن أسس وأسلوب صياغة مواد العقد الماضي (مثل المواد من 8 إلى 11 في قوانين الموازنة السابقة) التي كانت تتعلق بحصة إقليم كوردستان. وكذلك، فصل المستحقات المالية لإقليم كوردستان عن الشروط والعقبات مثل "الإنفاق الفعلي"، والنفقات الحاكمة، وكمية النفط المنتج والمصدر، والموافقة المستمرة من مجلس الوزراء أو رئيس الوزراء، وإصدار قرارات خاصة؛ بحيث تصبح حصة الإقليم، على غرار المحافظات والمؤسسات الاتحادية الأخرى، مادة اعتيادية ضمن مجمل المواد الـ30 إلى 40 التي يتألف منها قانون الموازنة العراقي.
ثانياً: تثبيت الحقوق والمستحقات المالية لموظفي إقليم كوردستان أسوة بجميع موظفي العراق. حتى إذا تم إيقاف الترقيات والتعيينات الجديدة على مستوى العراق في قانون موازنة 2027، يجب استثناء إقليم كوردستان والسماح له بذلك؛ لأنه لم يتم تعيين أي موظف جديد في إقليم كوردستان لأكثر من عقد من الزمان وانخفض معدل الملاك بنسبة 3.2% تقريباً. في عام 2015، كان عدد موظفي إقليم كوردستان في المرتبة الأولى ضمن جداول الموازنة على مستوى العراق بأكمله، ولكنه تراجع إلى المرتبة الثامنة في موازنة 2023؛ وبذلك، زاد حجم الملاك في المؤسسات الاتحادية مثل التربية والصحة في العراق بشكل ملحوظ ووصل إلى الضعف، في حين جرى تجميد الملاك في إقليم كوردستان.

ثالثاً: وضع نهاية للخطاب السائد الذي يزعم أن "إقليم كوردستان يشارك فقط في الحصول على النفقات، ولا يعيد أي إيرادات إلى العراق، ولا يسلم نفطه، بل يبيعه لنفسه ويستولي على أموال نفط البصرة". هذا المنطق خاطئ من الأساس؛ لأنه إذا لم يكن لدى محافظة ما نفطٌ، مثل نينوى (الموصل)، فهل يجب حرمانها من الرواتب والمشاريع الاستثمارية والموازنة؟ في حين أن إقليم كوردستان يشارك حالياً في الموازنة العامة الاتحادية بإيراداته النفطية وغير النفطية؛ حتى في هذا العام، ورغم الظروف الصعبة وانخفاض إنتاج النفط إلى أقل من النصف، فقد أعاد حتى 22 آب 2026 أكثر من 1.3 مليار دولار من الإيرادات إلى الخزينة الاتحادية.
حقيقة أخرى تتعلق بالنفط هي أنه في السابق كان إقليم كوردستان ملزماً بتسليم 250 ألف أو 400 ألف برميل من النفط يومياً، دون حسم مسألة تكاليف الاستخراج والتصدير. أما الآن، فقد أكملت شركة ماكنزي (McKinsey) تقرير المراجعة الدقيقة لتكاليف الإنتاج والتصدير لحقول إقليم كوردستان وسلمته إلى الجهات المعنية؛ وبموجب اتفاق 27 أيلول 2025، يجب على الحكومة الاتحادية تحمل هذه التكاليف، سواء كانت 8 دولارات أو 28 دولاراً. كما أشار مدير شركة سومو في مقابلة أجراها مؤخراً مع قناة "العهد"إلى أنه: "بعد توقيع الاتفاق الثلاثي، تحسن الوضع كثيراً وأدى إلى وقف الشكوك حول أي نوع من التهريب بالنفط أو المشتقات النفطية؛ والآن بموجب هذا الاتفاق، يجب تسليم كل النفط المنتج من حقول إقليم كوردستان إلى سومو. في الحقيقة، لا توجد لدينا أي معلومات مؤكدة تثبت وجود تهريب من الإقليم بعيداً عن رقابة وزارة النفط وشركة سومو". وفي ما يتعلق بفرق التكلفة (الذي يبلغ في البصرة 4 دولارات وفي إقليم كوردستان 16 دولاراً)، أوضح: "تتغير التكلفة من حقل إلى آخر؛ على سبيل المثال، في حقل الرميلة بالبصرة تبلغ 3 إلى 4 دولارات، بينما تصل في حقل بدرة بمحافظة واسط إلى حوالي 25 دولاراً للبرميل الواحد. لذا، فإن نسبة 16 دولاراً لإقليم كوردستان ليست ثابتة، وبعد تقرير ماكنزي، إذا كانت التكلفة أعلى سندفع لهم، وإذا كانت أقل فسنسترد المبلغ".
رابعاً: تثبيت حق مواطني إقليم كوردستان في المسودة الجديدة للموازنة بالاستفادة من الدعم المالي للطاقة (دعم البنزين والنفط الأبيض والكهرباء) أسوة بسكان وسط وجنوبي العراق؛ ووفقاً لآخر التقارير الرسمية، يتجاوز مبلغ هذا الدعم السنوي 14 مليار دولار، لذا لا يوجد أي مبرر لحرمان أهالي إقليم كوردستان منه.
خامساً: ضمان حصة الموازنة الاستثمارية للقطاعات الأساسية، وعلى رأسها قطاعا التربية والصحة. وفي الوقت نفسه، على غرار النفقات الضخمة المخصصة للاستثمار في البنية التحتية للنفط والغاز في العراق، يجب تحديد حصة إقليم كوردستان لتطوير وزيادة مستوى إنتاج حقول النفط والغاز.
المخاطر التي تواجه حصة إقليم كوردستان في الموازنة الاتحادية لعام 2027
يتمثل الخطر الأكبر في تكرار سيناريوهات العقد الماضي، حيث يتم تخصيص عدة تريليونات من الدنانير حصةً لإقليم كوردستان في القانون، ولكن لا تُصرَف على أرض الواقع. بعبارة أخرى، أن تكون الحصة مثبتة على الورق وفي جداول الموازنة، ولكن يتم التلكؤ في صرفها الفعلي شهرياً، ويتأخر توزيع رواتب موظفي إقليم كوردستان لمدة أسبوعين أو أكثر بعد مؤسسات العراق الاتحادية.

يتعلق الخطر الثاني بأساس الطلبات التي قدمها إقليم كوردستان إلى وزارة المالية الاتحادية لإعداد مسودة حصة إقليم كوردستان في موازنة العراق لعام 2027؛ وذلك لأن صيغة الطلبات تتناسب أكثر مع موازنة تقليدية وبأسلوب جداول النفقات، لا مع "موازنة البرامج والأداء". على الرغم من أن التفاصيل لم تتوفر بعد، إلا أنه وفقاً لجدولي النفقات والإيرادات، يبدو أن موازنة شاملة من هذا النوع تتطلب تضمين جميع المخرجات والمطالب؛ ومنها الملاكات الجديدة، والترقيات الوظيفية للموظفين، ومعادلة الرواتب، وتعيين الأوائل من الجامعات والمعاهد، وزيادة رواتب المستحقين للرعاية الاجتماعية.
أما الخطر الثالث، فهو غياب الموازنة الاستثمارية للعام المقبل في العراق بسبب الأزمة والظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها؛ مما قد يؤدي إلى حرمان إقليم كوردستان من أي حصة استثمارية في موازنة البرامج لعام 2027. في الواقع، ترغب بغداد في اعتماد هذا النوع من الموازنات، ولكن ليس لمشاريع جديدة، بل تحت مسمى تخصيصات مالية للمشاريع غير المنجزة بقيمة 15 تريليون دينار (حوالي 10 مليارات دولار). وسواء كانت هذه موازنة استثمارية أو أموالاً لإكمال المشاريع، فإن في إقليم كوردستان مئات المشاريع المهمة المتوقفة التي تحتاج إلى إنجاز، مثل مستشفى رانية سعة 400 سرير أو مبنى محافظة أربيل، والتي تستحق الحصول على حصتها من هذه التخصيصات.
ويتمثل الخطر الرابع في آلية تحديد حصة إقليم كوردستان من إجمالي الموازنة العراقية. سابقاً، كانت النسبة 17%، ثم أصبحت 12.67% بناءً على تقديرات وزارة التخطيط الاتحادية لعدد السكان. والآن، بعد أن أظهر التعداد العام أن سكان إقليم كوردستان يشكلون 14.1% من إجمالي سكان العراق، لم يعد الأمر قابلاً للجدل: فإما يجب العودة إلى النسبة التوافقية البالغة 17% كما في عامي 2015 و 2016، والتي لم تكن مبنية على عدد السكان، أو إذا كان المعيار هو عدد السكان كما في الأعوام من 2017 إلى 2023، فيجب تثبيت نسبة 14.1% رسمياً على الفور.
الخاتمة
من المتوقع أن تكون مسودة قانون "الموازنة البرامجية"لعام 2027 في العراق الاتحادي معقدة؛ لأنها التجربة الأولى ويتم إعدادها في مرحلة اقتصادية صعبة حيث لا تستطيع الإيرادات النفطية تغطية حتى ربع إجمالي النفقات، خاصة عندما تسعى لربط نفقات شهرية تتجاوز 10 تريليونات دينار بنتائج وإنتاجية. وعلى الرغم من هذا التعقيد العام، وعلى عكس العقد الماضي، ستكون المواد المتعلقة بإقليم كوردستان أبسط بكثير، وذلك للأسباب الثلاثة التالية:
أولاً: أصبحت قضية النفط، وشرعية العقود، وكمية الإنتاج والتسليم من الماضي. فقد أشارت شركة غلف كيستون البريطانية في تقريرها الأخير إلى أنها ستتسلم تكلفة إنتاج كل برميل اعتباراً من أغسطس 2027 وفقاً لتقرير ماكينزي، مما يثبت أن شركة سومو تشرف بالكامل على الملف منذ أكثر من عام.
ثانياً: لم تعد آلية تدقيق الإيرادات والنفقات والملاك الوظيفي لموظفي إقليم كوردستان كما كانت في السنوات السابقة، والتي كانت تعتمد على الزيارات الفصلية والمصادقة المشتركة لديوان الرقابة المالية؛ بل تقوم وزارة المالية الاتحادية شهرياً بتدقيق ومصادقة حسابات الشهر الماضي، ثم ترسل أموال رواتب الشهر الجديد.
ثالثاً: إن المطلب الأكثر أهمية لإقليم كوردستان هو فقط ضمان التمويل الشهري للرواتب، وهو الحق الذي كان يُرسل شهرياً قبل عقدين من الزمن دون مشاكل أو نقاش.
في الختام، على الرغم من أن مسودة موازنة 2027 تختلف عن جميع السنوات السابقة من حيث الشكل والهيكلية، إلا أنه لكي نعرف ما إذا كانت ستكون مختلفة وخالية من المشاكل لصالح إقليم كوردستان أيضاً أم لا، يجب أن ننتظر الصياغة النهائية للبنود من قبل وزارة المالية، ومناقشات مجلس الوزراء، ثم الصراعات داخل قاعة مجلس النواب؛ فالقرار النهائي سيتضح في أواخر الربع الأول من عام 2027.




