ديجيتال
في الوقت الذي تجاوزت فيه أسعار النفط العالمية حاجز 100 دولار للبرميل، لا تبدو المعادلة بهذه البساطة بالنسبة للعراق؛ فارتفاع السعر الذي يفترض أن يوفر إيرادات إضافية لخزينة تعتمد بصورة كبيرة على النفط، يقابله اضطراب في طرق التصدير وخصومات كبيرة على الخام العراقي، ما يجعل الفارق واسعاً بين سعر برنت المعروض على شاشات الأسواق والسعر الذي يصل فعلياً إلى المنتج العراقي.
وفي 16 أيلول 2026، كان خام برنت يتداول قرب 108 دولارات للبرميل، بعد موجة صعود غذتها المخاوف من تعطل الإمدادات وازدياد المخاطر في الممرات النفطية في المنطقة. لكن الخام العراقي، وخصوصاً نفط البصرة، تحمل خلال الأشهر الأخيرة جزءاً من كلفة هذه المخاطر عبر تخفيضات سعرية استثنائية لجذب المشترين والحفاظ على تدفق الصادرات.
صادرات تتعافى
أظهرت بيانات آب الماضي تحسناً ملحوظاً في قدرة العراق على تصدير النفط مقارنة بتموز، إذ ارتفعت الصادرات إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً، بعد أن كانت في حدود 1.35 مليون برميل يومياً في الشهر السابق، وفق تقديرات أوردتها رويترز.
ورغم هذا التحسن، بقي مستوى الصادرات أدنى من المستويات التي سبقت الاضطرابات في حركة الشحن، حين كان العراق يصدر أكثر من 3.3 ملايين برميل يومياً.
وتشير بيانات شركة تسويق النفط العراقية "سومو"، التي نقلها تقرير متخصص، إلى أن صادرات آب بلغت نحو 73.7 مليون برميل، بمعدل يقارب 2.38 مليون برميل يومياً.
لكن ارتفاع الكميات لا يكشف وحده الصورة المالية، إذ اضطر العراق إلى استخدام سياسة تسعير أكثر مرونة للحفاظ على المشترين في سوق باتت كلفة النقل والتأمين والمخاطر فيها جزءاً أساسياً من سعر البرميل.
خصومات بعشرات الدولارات خلال آب، عرضت "سومو"خام البصرة المتوسط بخصومات تراوحت بين 25 و27 دولاراً للبرميل، فيما وصلت التخفيضات على خام البصرة الثقيل إلى نحو 30 دولاراً في بعض مواعيد التحميل، بحسب وثيقة اطلعت عليها رويترز.
هذه الخصومات ساعدت على إعادة المشترين، خصوصاً من آسيا، لكنها تعني في المقابل أن العراق لا يحصل بالضرورة على الزيادة نفسها التي تظهر في الأسعار القياسية العالمية.
وظهرت المفارقة بصورة أكثر وضوحاً في أيلول، إذ أشارت بيانات السوق إلى اتساع الفارق السعري بين خام البصرة المتوسط وبعض الخامات التي تتمتع بمسارات تصدير أقل تعرضاً للمخاطر، في وقت أصبحت فيه "جغرافية البرميل"أحد العوامل الرئيسية التي تحدد قيمته إلى جانب نوعيته.
كما اشترت شركة "أدنوك للتجارة"الإماراتية كميات كبيرة من الخام العراقي، بلغت وفق مصادر لرويترز 32 مليون برميل في آب ونحو 40 مليون برميل في أيلول، مستفيدة من الخصومات السعرية ومن قدرتها على إدارة عمليات النقل والتخزين والتكرير عبر شبكة أوسع.
اقتصاد مرتهن للبرميل
تكتسب حركة الصادرات والأسعار أهمية مضاعفة بالنسبة للعراق، إذ لا يزال الاقتصاد شديد الاعتماد على النفط.
وبحسب أحدث بيانات البنك الدولي، شكّل القطاع النفطي في 2025 نحو 53% من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بينما وفّر النفط نحو 88% من إيرادات الحكومة و91% من صادرات السلع.
وتعني هذه الأرقام أن أي انخفاض طويل في الصادرات لا يبقى مشكلة تخص وزارة النفط أو شركات الإنتاج، بل ينتقل مباشرة إلى المالية العامة وقدرة الدولة على تمويل الرواتب والاستثمار والإنفاق الحكومي.
وفي المقابل، فإن ارتفاع أسعار النفط لا يتحول تلقائياً إلى وفرة مالية إذا تزامن مع انخفاض حجم الصادرات أو اتساع الخصومات على الخام أو ارتفاع كلفة الشحن والتأمين.
أوبك+ وحسابات الإنتاج
يتحرك العراق في الوقت نفسه داخل معادلة أخرى مرتبطة بالتزاماته في تحالف أوبك+.
وفي 6 أيلول، قررت الدول السبع المشاركة في التخفيضات الطوعية، ومن بينها العراق والسعودية وروسيا والكويت، الإبقاء في تشرين الأول على مستويات الإنتاج المطلوبة لشهر أيلول، مع التأكيد مجدداً على الالتزام بحصص الإنتاج وتعويض الكميات الزائدة التي ضُخت سابقاً.
لكن بغداد تسعى بالتوازي إلى توسيع حصتها المستقبلية، إذ أفادت تقارير في 9 أيلول بأن العراق يريد اعتماد قدرة إنتاجية أساسية تصل إلى 6 ملايين برميل يومياً ضمن مراجعة أوبك+ لقدرات الدول الأعضاء التي ستستخدم في تحديد مستويات الإنتاج المقبلة.
وبذلك يجد العراق نفسه بين هدفين غير متطابقين تماماً: زيادة قدرته الإنتاجية والتصديرية للحصول على إيرادات أكبر، والالتزام في الوقت نفسه بسياسة جماعية تهدف إلى ضبط المعروض العالمي ودعم الأسعار.




